حرائق الغابات

حرائق الغابات‬‎ تُنذر بالسوء إن لم نتوقف عن أَذِيَّة هذا الكوكب!

حرائق الغابات‬‎ تخبرنا الشيء الكثير، فنحن أحيانا لا نتنبّه لقيمة الأشياء في حياتنا حتى تبدأ بالاختفاء أو تكون في طريقها إلى الزوال.

لطالما كانت الغابات متواجدة أمام أعيننا، تعوّدنا عليها لدرجة أن اعتبرناها من المسلّمات فلم نُوليها حقها من العناية والاهتمام. القليلون منا يُدركون المدى الحقيقي لاعتمادنا على الغابات من أجل بقائنا، من الهواء الذي نتنفس إلى الخشب الذي نستخدم، إلى جانب أنها توفر سبل العيش لمملكة الحيوان والبشر أيضًا، ومع ذلك، ما زلنا نسمح لها بالاختفاء.

حوادث حرائق الغابات المتكررة لها تأثيرات كارثية على البيئة والمناخ. وهي بمثابة صرخة يقظة لنا جميعًا حتى نُعيد التفكير في أفعالنا اللامسوؤلة التي تؤذي الكوكب الأزرق وتجعل رئتاه تحتـرق.

تلعب الغابات أدوارًا مَصِيرِيّة في بقائنا

تغطي الغابات ثلث إجمالي مساحة الأرض، مما يوفر بنية عضوية أساسية لأكثر أنواع الحياة كثافة وتنوعا في الكوكب. فهي تدعم عددًا لا يحصى من الكائنات فضلاً عن 1.6 مليار من سبل العيش للإنسان.

تشير التقديرات إلى أن شجرة واحدة مورقة ناضجة تنتج كمية الأكسجين الكافية ليوم واحد لعدد يتراوح بين شخصين إلى 10 أشخاص. الغابات توفر نصف الأكسجين على الأرض، ولا تزال مصدرًا رئيسيًا للهواء الجيد.

يعيش حوالي 300 مليون شخص من الأشخاص في الغابات في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك ما يقدر بنحو 60 مليون من السكان الأصليين الذين يعتمدون على بقائهم كليا على الغابة الأصلية. ويعيش المزيد منهم على طول هامش الغابات أو بالقرب منها. الحرائق تضع حياة هؤلاء في خطر أمام نصب أعيننا.

أثناء هطول الأمطار الغزيرة، خاصة في المناطق المنخفضة مثل السهول الفيضية للأنهار، تساعد جذور الأشجار الأرض على امتصاص المزيد من الفيضانات السريعة، مما يقلل من انجراف التربة وتلف الممتلكات عن طريق إبطاء التدفق. تشبه الغابات إسفنجة عملاقة، حيث تلتقط الجريان المائي بدلاً من تركه يتدحرج على السطح، لكنها لا تستطيع امتصاصه بالكامل لذلك حين تتدفق المياه التي تصل جذورها إلى طبقات المياه الجوفية، يؤدي ذلك إلى تجديد إمدادات المياه الصالحة للشرب والصرف الصحي والري في جميع أنحاء العالم.

ولن ننسى أنها موارد للفواكه والمكسرات والبذور، ولولاها ماذا كان سيكون حالنا دون مادة قيّمة كالخشب. لقد استخدمنا هذه الموارد المتجددة منذ زمن طويل لنصنع كل شيء من الورق والأثاث إلى المنازل والملابس.

البَشَر والأشجار: ارتباط حميمي وَثِيق يفوق الخيال

عبر العصور وفي جميع أنحاء المعمورة، كيف يتجلى ارتباطنا بالأشجار؟

لطالما تطلع الانسان الى خصائص الشجرة الخارجة عن نطاق معرفته، أراد فهم أبعادها الغَيْبِيّة فلربما يفهم عبرها نفسه وكُنهه. هذا الترابط مُتعدد الأبعاد بين الإنسان والشجرة لبى احتياجاتنا على كل المستويات. كيف تجلى هذا الارتباط؟ الإجابات كثيرة والأمثلة التي سنقدم قليلة فقط.

هل لاحظتم يومًا أن أشكالنا الفيزيائية تتشابه مع هذه الكائنات الحيّة! نقف منتصبين، لدينا تاج في الأعلى وأطراف متنقلة نابعة من جذع مركزي. ونمط الفروع الأنبوبية (القصبات الهوائية) في رئتينا يشبه نظام الجذر للعديد من الأشجار.

على المستوى الروحي، ساعدتنا الأشجار في أن نصبح أكثر وعيًا بأننا ننتمي إلى شيء أكبر من أنفسنا. في الأساطير، يتم أحيانًا تصوير الأشجار على أنها مساكن لأرواح الطبيعة، ومجرد وجودها في حد ذاته يدعونا إلى حالة التأمـل الواعـي. كما تطلعنا أيضًا إلى الأشجار للشفاء -ليس فقط بالمعنى الطبي، ولكن للشفاء الروحي وطلبا للمواساة والعزاء.

ألهمت الغابات والأشجار أعمال الأدب والفن والعمارة، مفهوم شجرة الحياة شائع جدا يستخدم بطرق مختلفة لتمثيل الوئام والوحدة والروابط بين السماء والأرض، بين الماضي والحاضر، الموت والانبعاث. هذه الرمزية قد تأخذ أشكال متعددة ولكن العناصر الأساسية تبقى هي نفسها أي جذور، جذع، فروع وأوراق، أزهار أو فواكه.

الشجرة ترافقنا أيضا في أفراحنا، أحزاننا وقصص عشقنا. قد تُزرع شجرة زيتون عند قدوم مولود جديد في الأسرة. أو قد يزرع بعض الأشخاص أشجار تذكارية في أفنية منازلهم أو في مقبرة، وهي بالتأكيد ما يقوم به السياسيون في مناسبات أليمة كوسيلة تكريم ضحايا حادث معين أو عند تدشين بداية مشروع ما. أما أيام ما كان الحب عذريا، صافيا ونقيّا كان ظل شجرة يجمع بين حبيبين وحروف اسمهما تُكتب على جذعها.

ولكن الأشجار لا تعيش وحدها في الغابات، ما يقرب من نصف جميع الأنواع المعروفة تعيش هناك، بما في ذلك 80 في المئة من التنوع البيولوجي على الأرض، وهذا التنوع الغني متواجد بشكل خاص بالغابات المطيرة مثل الأمازون.

ماذا تعني حرائق الغابات مثل الأمازون المطيرة؟

تجتاح مئات الحرائق مناطق عدة في العالم مثل كاليفورنيا، اسبانيا، سيبيريا وألاسكا. ولكن ما الذي يجعل حرائق الأمازون المهولة أخطر ما يمكن أن يحصل لهذا الكوكب وكل المخلوقات التي تعيش على سطحه؟

الأمازون هو بمثابة بالُوعَة كبيرة لثاني أكسيد الكربون، فالغابات الضخمة تبطئ تصاعد المناخ العالمي عن طريق استبدال ثاني أكسيد الكربون بالأكسجين.  حيث تساعد التربة الأمازونية في الحفاظ على حبس الكربون، بينما تحتفظ الأشجار ببخار الماء وتخلق غيومًا تبقي منطقة أمريكا الجنوبية بأكملها باردة.

فرغم أن غابة الأمازون قد تبدو بعيدة عن الناس والممتلكات إلا أن حرائقها إذا تُركت قد تؤدي إلى رفع درجة الحرارة العالمية إلى مستوى أكبر مما هو عليه مما سيضاعف من حدة أزمة تغير المناخ. والحرائق التي تستمر لمدة طويلة قادرة على الضرر بقدرة غابات الأمازون المطيرة على التعافي.

كما تلعب غابة الأمازون دور محرك مائي عملاق هام جدا، عبر إطلاق المياه في الغلاف الجوي وفي المحيطات التي تنقل تياراتها المياه الدافئة من منطقة خط الاستواء إلى المنطقتين القطبيتين والمياه الباردة في الاتجاه المعاكس، تؤثر هذه التيارات في نظم وأحوال الطقس بشكل كبير.

إن احتراق جزء أو أجزاء من هذه الغابة الاستوائية المطيرة الشاسعة، يعني انخفاض معدلات مساهمتها الحيوية في التوازن المناخي لكوكب الأرض الذي أصبح هشًّا وضعيفًا بالفعل. وهذا بدوره سيفضي إلى المزيد من ارتفاع درجات الحرارة وانتشار الجفاف والاضطرابات المناخية حول العالم التي ستطال الجميع لامحالة. الأمازون المحترق قابل لأن يتحول إلى كارثة عالمية بكل المقاييس.

ضميرنا يُوجعنا…هذا ما نستطيع فعله

قد نتوهم أن معدل حرائق الغابات المُتزايد هو نتيجة كوارث طبيعية ليس لنا دخل فيها، نعم قد يكون الجفاف هو العامل الرئيسي ورائها ولكن هذا لا يمحي حقيقة كون الإنسان هو المسؤول الأول عن اجتثاث الغابة على نطاق واسع عبر تطهير ملايين الأفدنة الحرجية كل عام.

ما يقرب من نصف غابات العالم التي كانت قائمة عندما بدأ البشر بالزراعة قد اختفت الآن، وفي كل عام يتم تدمير 32 مليون فدان إضافي، وفقًا لتحالف الغابات المطيرة غير الربحي. السبب الأكبر هو التوسع في الزراعة إلى مناطق الغابات. تربية الماشية وإنتاج فول الصويا وقطع الأشجار المفرط من أجل تلبية احتياجاتنا الاستهلاكية يزيد الطين بلة.

من الصعب ألا تتوجع قلوبنا وتتألم ضمائرنا الانسانية عند مشاهدة مناظر حرائق الغابات، والأصعب أن ما نستطيع فعله لوقف ذلك قليل جدا ولكن الأمل مزال موجودا لكل واحد فينا إذا أردنا إحداث فرص تغيير إيجابية آثارها قد لا تكون فورية ولكن سنجني حتما ثمارها لاحقا ويكفي أننا سنتحمل كامل مسؤوليتنا اتجاه الأجيال القادمة. هذه بعض الخطوات التي يمكنك القيام بها للمساعدة في وقف نزيف الكوكب.

  • استخدم Ecosia.org؛ محرك بحث يزرع شجرة لكل 45 عملية بحث تقوم بها.
  • عش بطريقة مُستدامة من خلال التقليل من قوائمك الشرائية والتحكم في نزعتك الاستهلاكية.
  • تعرّف إلى طرق إعادة تدوير الخشب والورق عبر مشاريع حرفية ممتعة تحافظ بها على ميزانيتك دون الاضطرار إلى اقتناء المزيد.
  • إذا كان لديك أطفال فاحرص على تثقيفهم حول بيئتهم ودور الغابات المهم، كما يمكنك تطبيق ذلك بشكل عملي أكثر عبر تعليمهم مهارات إعادة التدوير.

لا تنتظر من الحكومات والمؤسسات إنقاذ الغابات من الضياع والاختفاء إلى الأبد من محيطنا…

كن أنت التغيير الذي تريد أن تراه في العالم.

المهاتما غاندي

كاتبة ومدونة ومسؤولة قسم دوَّرها في موقع Fixaha.

اترك تعليقاً